قصة هابيل وقابيل الحقيقية. جنسان بشريان وليسا أخوين شقيقين. مقطع من موسوعة نينورتا التاريخية – اللغة الأم.

«قابيل» و«هابيل»، الدلالة والمكان والقصة الحقيقية:

إن قصة «قابيل» و«هابيل» هي من القصص التي فهمت بأنها تخص ابنين لشخص واحد هو آدم، وهذا خطأ؛ فكما أن «آدم» هو اسم لجنس كامل من البشر هو البشر العاقل الأول، كذلك فإن كلاً من قابيل وهابيل هما اسمان لجنسين ظهرا بعد الخطيئة التي هي الاختلاط غير المرغوب بالجنس البدائي الذي كان موجوداً حينها، فنتج عن تلك الشجرة غير العاقلة، البهيمية البدائية، الهمجية المتخلفة، جنسان: أحدهما حافظ على عدم الاختلاط بالشجرة غير العاقلة وهذا هو جنس «هابيل»، والآخر اختلط وانحرف عن السلالة العاقلة وتشوشت جيناته وهذا هو جنس «قابيل».

إن الانحراف في فهم هذه القصة العربية المجازية التي اختزلت هذين الجنسين المختلفين قد بدأ مع التوراة التي وصفتهما بشقيقين أعمت الغيرة أحدهما وهو قابيل فقام بقتل أخيه الصالح هابيل. وإن هذا الفهم الخاطيء نجم عن الالتباس مع الأساطير السورية القديمة التي تحدثت عن الصراع بين الفلاّح والراعي وبين عقيدة الزراعة والاستقرار وحياة البداوة والترحال، وكيف قضت الزراعة على البداوة. فقام كهنة التوراة بإلباس الفلاح والراعي لبوس قابيل وهابيل، وهذا خطأ، إذ كيف يمكن للإله أن يقبل صنيعة الراعي هابيل ويرفض صنيعة الفلاح قابيل؟. علماً أنه منطقياً فقد كانت العقيدة الزراعية وتعاليمها هي عقيدة مقدسة حين كان لزاماً على الجنس الجديد أن يأكل مما يزرع وأن يحسن زراعة الأرض وسقايتها وفلاحتها. لكن التوراة جعلت من الفلاح منبوذاً من الإله, ومن الراعي الذي قالوا أنه هابيل مقرباً من الإله. ومن الواضح بأن عقلية من كتب التوراة كانت عقلية جماعة من البدو.

إن فهم التراث العربي بشكل مشوه قد جرّ البشرية إلى انحرافات أخرى حول تصوّر بدايات ظهور البشر، فاعتقدوا بناءً على الفهم الخاطيء بأن أبناء «آدم وحواء» قد تزوّجوا من «شقيقاتهم» لإنجاب البشر!؛ هذا طبعاً كلام منافٍ للحقيقة وهو نتيجة من نتائج الإسرائيليات التي دخلت كتب التراث. فأي عقل سليم يقبل بهذا الطرح اللا أخلاقي على أنه حقيقة تاريخية؟

إن اسم هابيل هو: ها التعريف الكنعانية + أبيل، والأبيل بالعربية هو الأمير والشريف، هو رمز السلالة العاقلة شريفة النسب.

بينما اسم قابيل هو: القبيل بالعربية وتعني الضد، المعارض، المواجه. كما أن القبيل تعني النسل، وقبائل الشجرة هي أغصانها. والقبيل الجماعة من الناس يكونون من ثلاثة فصاعداً من قوم شتى أو من قوم واحد. (لسان العرب).

إذن من الواضح بأن جنس قابيل هو الناتج عن الشجرة، هو أغصان الشجرة الملعونة بمعنى أنه نسل الجنس المختلط الذي مال عن الطريق القويم.

في القرآن الكريم وصفهما بالأخوين، ورأينا سابقاً بأن الأخ باللغة العربية لا تعني الشقيق بالضرورة.

تقول كتب التراث: «قيل كان قتله عند عقبة حراء، ثم نزل من الجبل آخذاً بيد أخته فهرب بها إلى عدْن من اليمن. قال ابن عباس: لما قتل أخاه أخذ بيد أخته ثم هبط بها من جبل نود إلى الحضيض، فقال له آدم: اذهب فلا تزال مرعوباً لا تأمن من تراه، فكان لا يمرّ به أحد من ولده إلاّ رماه، فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابن له، فقال للأعمى ابنه هذا أبوك قابيل فارمه، فرمى الأعمى أباه قابيل فقتله، فقال ابن الأعمى لأبيه: قتلت أباك فرفع الأعمى يده فلطم ابنه فمات، فقال: يا ويلتي قتلت أبي برميتي وابني بلطمتي. ولما قتل هابيل كان عمره عشرين سنة، وكان لقابيل يوم قتله خمس وعشرون سنة.

وقال الحسن: كان الرجلان اللذان ذكرهما الله تعالى في القرآن بقوله: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} من بني إسرائيل، ولم يكونا من بني آدم لصلبه، وكان آدم أوّل من مات». (الكامل في التاريخ لابن الأثير).

إذن أكدت المصادر العربية مع أنها ضربها الخلط والنقل والالتباس، على أن القصة كانت في اليمن، وهذا دليل على صحة استنتاجاتنا التاريخية والعلمية بأن اليمن مهد البشرية فعلاً. كذلك ذكرت الرواية التاريخية بأن قابيل وهابيل لم يكونا من صلب آدم، وهذا دليل آخر على صحة ما نقوله بأنهما اسمان لجنسين بشريين وليسا ابنين مباشرين من نسل شخص، لذلك يقول القرآن الكريم {واتلُ عليهم نبأ ابنَي آدمَ بالحقّ إذ قرّبا قرباناً فتُقبّل من أحدهما ولم يتقبَل من الآخر قال لأقتلنّك قال إنما يتقبّل الله من المتقين}. (سورة المائدة: 27)

إن القرآن يؤكد على ضرورة تصحيح المفاهيم المغلوطة التي كان العرب نقلوها عن التوراة حول قصص الأنبياء، ومن جملة المفاهيم المغلوطة أن آدم كان شخصاً ولد ابنين هما قابيل وهابيل قتل أحدهما الآخر. في الواقع إن كتبَة التوراة قد أخطأوا في فهم اللغة العربية فجعلوا من الأخ هو الشقيق ومن قابيل الفلاح ومن هابيل الراعي، فجاء القرآن ليطلب من النبي محمد أن يعيد شرح القصة «بالحق» أي بلا أخطاء، مبتعداً بشكل واضح عن تسميتي «قابيل وهابيل» ولم يذكرهما على الإطلاق، وهذا يدل على أنها صفتان لجنسين فعلاً، وليسا اسمين لشخصين شقيقين.

تقول الرواية التاريخية بأن القصة جرت في جبل نود باليمن، وفعلاً نجد شرقي عدْن، التي هي تعز كما شرحنا سابقاً، جبل النُد في اجوة حمادة حتى اليوم.

من الواضح بأن أحداث هذا التصادم بين الجنسين قد حدث في منطقة تعز من جبال السروات التي شهدت ظهور جنس آدم العاقل الأول.

المصدر كتاب موسوعة نينورتا التاريخية الجزء الثاني اللغة الأم للدكتور أحمد داوود والدكتورة نينورتا داوود. صفحة ٢٠١