على مستوى الجنس البشري نحن في فترة طوفان نوح أمام ثلاثة أصناف من البشر: الأول هو الجنس العاقل والذي يمثله نوح؛ الثاني هو الجنس البدائي الذي كان ما يزال يجول في سهوب الأراضي في كل مكان، هلك منهم من أصابه الطوفان والكوارث البيئية وبقي من الشعوب البدائية من لم تضربه تلك الأحداث؛ أما الثالث فهو الجنس الذي جاء نتيجة اختلاط الجنس العاقل بالجنس البدائي والذي أدى إلى انحداره وهبوطه، هو الجنس الخليط الذي عبّر عنه التراث الديني بكلمة «إسرائيل»، فمن هو «إسرائيل»؟
ادّعى كتبة التوراة الموجودة حالياً بأن يعقوب هو إسرائيل، وهذا كلام خاطيء تماماً ونعتبره من جملة مواضع التزوير الذي ضرب تاريخ العرب والبشرية كلها. إن يعقوب ليس بحال من الأحوال إسرائيل، فأين نجد «إسرائيل»؟، نجده في القرآن الكريم بكل وضوح في سورة الإسراء: سُبحانَ الذي أسْرى بِعَبدِهِ ليلًا مِن المَسجدِ الحرام إلى المَسجدِ الأقصى الذي بارَكْنا حولَهُ لِنريَهُ مِن آياتِنا إنَّهُ هو السَّميعُ البصير (1) وآتَيْنا موسى الكتابَ وجعَلْنَاهُ هُدىً لبني إسْرائِيلَ ألَّا تتخذوا مِنْ دوني وكيلا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مع نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْداً شكُورا (3) وقضَيْنا إلى بَني إسْرائِيلَ في الكِتاب لَتُفسِدُنَّ في الأرضِ مرَّتَيْن ولَتَعلُنَّ عُلُوًّاً كبيرا (4){. لنتمعّن بهذه الآيات جيداً وسنصل إلى الحقيقة:
يقول الخطاب القرآني هنا (وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدىً لبني إسرائيل)، فاعتقد المفسِّرون خطأً وجهلاً متأثرين بالرواية التوراتية المحرّفة بأن بني إسرائيل هم بنو يعقوب، لكن القرآن أكمل الشرح والتوضيح ووصف بني إسرائيل بأنهم (ذريّة من حملنا مع نوح إنه كان عبدأ شكوراً). لقد شرح النص القرآني بكل وضوح من هو إسرائيل وما هو زمنه الحقيقي، إنه كان عبداً شكوراً لكنه لم يكن من الأنبياء، وهو كان في زمن نوح وكان ممّن نجا من الطوفان مع نوح والأمم الباقية، أي الشعوب الناجية }قيلَ يَنوحُ اهْبِطْ بسلامٍ مِنَّا وبَرَكَتٍ عَليكَ وعلى أممٍ مِمَّن معك{. (هود:48). إذن القرآن واضح هناك مع نوح وأسرته أممٌ أخرى نجت معه وليست من سلالته، إذن فادّعاء أن البشرية انقرضت بزمن الطوفان وبقي فقط نوح وأولاده هو ادّعاء باطل تماماً.
إذن من هم بنو إسرائيل؟ إنهم ذرية إسرائيل الذي حُمل على متن السفينة من ضمن من تم إنقاذهم مع نوح، فماذا يعني هذا الخطاب؟:
يعني أن نوحاً هو من الجنس العاقل المبدع، ذلك أن فعل الابتكار أُسند له هو، والابتكار هنا الذي بدأت تحتاجه البشرية في العصر الدفيء هو صناعة «السفينة»، فكان أن أُعطي نوح علم بناء السفن وقوانينها وهي مرحلة فاصلة بتاريخ البشرية. نحن بكل وضوح أمام علم قائم بذاته مُنح للبشر منحاً من قبل القوى الإلهية هو علم بناء السفن، لماذا؟ لأنه وبعد تشكل التصدّعات والبحار الجديدة والأنهار الكبيرة وارتفاع منسوب البحار فقد انفصلت اليابسة عن بعضها ولم يعد بالإمكان التنقل إلا بوسيلة نقل واحدة، هي السفينة ببساطة.
أما «إسرائيل» فهو كان عبداً شكوراً لكنه غير مبدع، هو مؤمن فقط، لكنه ونتيجة انحدار خريطته الوراثية فقد كان إنساناً عادياً، غير مبتكر، صعد على متن السفينة بمعنى أن الجنس الخليط لم ينقرض حينها بل بقي وأكمل مسيرة البشرية.
إذن فإسرائيل ببساطة هو ابن الجنس الخليط الذي كان موجوداً زمن نوح وبقي مستمراً، وليس يعقوب، والقرآن ذكَرَ يعقوب بالاسم ولم يسمِّه ولا بآية واحدة باسم إسرائيل، ولا دعا بنيه ببني إسرائيل على الإطلاق. وعليه فهناك كذبة أخرى بُنيت على الأولى، هي أن الأسباط المذكورين بالقرآن هم بنو يعقوب، ونحن لا نعرف أي خلل في التفكير جعل المفسِّرين يقتنعون بأن النص القرآني قد أمر بالايمان ببني يعقوب من جملة الرسل والأنبياء، مع أن إخوة يوسف، الذين يقولون لنا بأنهم من المفترض أنهم الأسباط، كانوا في انحطاط أخلاقي فاضح جعلهم يتآمرون على أخيهم النبي يوسف ويكيدون له، فما الذي يجعلنا نؤمن بإخوة لا أخلاق لهم ولا رادع بحسب القرآن نفسه؟ وكيف استقام هذا الأمر مع المفسرين ولم يجدوا فيه تناقضاً؟، إنها آفة النقل دون العقل هي التي أوصلت التفاسير إلى هذا الدرَك من التناقضات وتسطيح العقول.
إذن بنو إسرائيل ليسوا من ذريّة نوح، لكن يعقوب من ذريّة نوح. أما بنو إسرائيل فهم ذرية «من حُمل مع نوح» ومن حُمل مع نوح هو إسرائيل إذن هو سلالة منفصلة عن نوح تماماً، وليسوا من السلالة الشريفة كما جعلوا أنفسهم فيما بعد حين ادّعوا بأن يعقوب هو نفسه إسرائيل، ولقد دعا القرآن من بُعث من بني إسرائيل بالنقباء وليس الأسباط {ولقد أخذَ اللهُ ميثاقَ بني إسرائيلَ وبعثنا منهُم اثني عشَرَ نقيباً وقال اللهُ إني معَكُم لَئن أقمتمُ الصلوةَ وآتيتُم الزكوةَ وءآمنتُم برُسُلي}. (سورة المائدة، آية 12). وفي هذا وضوح شديد لا يحتاج لتأويل.
ومن الواضح بأن الخطاب الديني سواء في القرآن أو في الانجيل قد أكد على أن الهداية تأتي دوماً بهدف هداية (الضالّين من بني إسرائيل)، ولا نعتقد بذلك بأن الرسل والأنبياء قد جاؤوا بهدف هداية عائلة أو سلالة معينة لشخص؛ بل هم رمز للجنس الذي حاد عن خط النسل العاقل الصافي وفكره، وماد بعقائده وسلوكياته، وضل عن حقيقة الخلق الأول ورسالته، رسالة آدم الخليفة، فجاءت الرسالات والتعاليم لإعادة جنس «بني إسرائيل» بأكمله إلى الطريق الإنساني القويم:
- إن سورة البقرة وحدها قد اشتملت على ثلاث آيات تذكّر بني إسرائيل بـ “نعمة الله” التي أنعمها عليهم وبأنه فضّلهم على العالمين، لكن بماذا فضّلهم؟ بأنه أعطاهم فرصة الهداية ونجاهم من العذاب الكبير، أي أنه لم يعاملهم معاملة من لا يرتجى منه خير، بل ذكّرهم بكل الشرور وأعطاهم الفرص للابتعاد عنها، هذا هو الفضل الذي أعطي لجنس بني إسرائيل.
- أما باقي الآيات التي تذكر بني إسرائيل فكلها دون استثناء تصفهم بالضلال، والعدوان، والظلم، وتحريف كلام الله، ونصرة الباطل، والفساد في الأرض… فهل هناك عاقل يمكن أن يصدق بأن كل هذه الأفعال واللعنات والنفوس العديمة الأخلاق التي قتلت الرسل والأنبياء وعبثت بالنصوص واعتدت على الآمنين.. تقتصر على عائلة وأفرادها؟؛ هل يمكن أن نصدق بأن الخطاب الانجيلي الذي وصفهم ب«خراف بني إسرائيل الضالّة» يخاطب عائلة واحدة من دون باقي البشر جاء السيد المسيح لهدايتها؟، بالطبع هذا لا يعقل بل يوصف بأنه فادي لكل البشر. إذن، إن بني إسرائيل هم جنس كامل من البشر الذي اختلط جينياً ما بين العاقل الناطق السامي، والبدائي المتخلف الغرائزي، فضلّ عن الفكر الصحيح وابتعد عن إدراك مكارم الأخلاق، وانحرف عن العقيدة الإنسانية الأخلاقية التي جُبل عليها بنو آدم، فاستحقوا الهداية تلو الهداية ومحاولات التقويم والتصحيح، والتنبيه والتذكير؛ ومن الطبيعي بأن هذه التعاليم ومحاولاتها التصحيحية للمسيرة الإنسانية قد أتت لجموع البشر من كل صنف ولون، باختلاف مكانهم وزمانهم، وليس لأبناء عشيرة أو سلالة لأي شخص. هذه هي المرحلة التي وصفها التراث العربي بمرحلة «تبلبل الألسن»، بعد أن كان الناس على لغة واحدة.
- تتميز لغة القرآن بالتمييز بين كلمتي «بني و«آل»؛ إذ نلاحظ أن الخطاب القرآني ذكر السلالات بكلمة «آل» ك: آل ابراهيم، وآل عمران، وآل فرعون… ، بينما كلمة «بني» جاءت مرافقة لاسم إسرائيل تحديداً؛ فإذا كان إسرائيل هو يعقوب أو أي شخص آخر كما جرى بالتزوير الشائع، فالمنطقي أن يصف القرآن نسلَه بكلمة “آل إسرائيل”، لكن هذا لم يحدث أليس كذلك؟، وهذا دليل آخر على أن كلمة «بني» تصف جنساً بشرياً كاملاً تماماً ك«بني آدم» وليست سلالة ولا نسلاً لا لشخص ولا لعشيرة.
بهذا يكون إسرائيل رمزاً للجنس الخليط، وهو بالتالي ليس من السلالة الصافية سلالة الأنبياء. وأما تحويل إسرائيل لشخص والقول بأنه يعقوب فهذا دسّ خاطيء وباطل وزائف قام به بعض الكهنة حين كتبوا التوراة السبعونية، ولحقهم بهذا الخطأ كلُ المفسرين، جعلوا من بني إسرائيل سلالة من ذرية الرسل والأنبياء ليستحقوا الحكم والسلطة، وقاموا بذلك بعملية تضليل عبرت حدود المكان والزمان وانطلت على العقول، فأصبح بجرّة قلم حتى موسى وعيسى من “بني إسرائيل”، وهو غير صحيح.
- هناك من يستند على آية قرآنية قائلاً بأنها تدل على أن بني إسرائيل هم سلالة يعقوب من الأنبياء وهي الآية 16 من سورة الجاثية }ولقد آتيْنَا بني إسرائيلَ الكتَابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ورزَقناهُم مِنَ الطَّيِّباتِ وفضَّلْناهُم على العالَمين{، علمأ أننا لو أكملنا قراءة ما بعدها لفهمنا فوراً أنها لا تتحدث عن سلالة رسل وأنبياء بل تتحدث عن جنس كامل من البشر سيعيش حتى تنتهي الحياة على الأرض وسيجري الفصل والحكم على من ضلّ منهم وعلى من كان مؤمناً صالحاً، وإن هذا الجنس قد مُنح التعاليم (الكتاب) والسلطة (الحكم) والهداية (النبوة) بمعنى أنه مُنح فرَصاً للنجاة ولتصحيح المسيرة، ولا تعني على الإطلاق بأن النبوّة والحكم هما احتكار قد مُنح، إلهياً، لعائلة سيجري الحكم بين أفرادها يوم القيامة!، لنقرأ بقية الآيات: }وآتيناهم بيِّناتٍ مِن الأمر فما اختلَفوا إلَّا من بعْدِ ما جاءهُم العِلمُ بغياً بينَهُم إن ربكَ يقضي بَينهم يومَ القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (17) ثمَّ جعلناكَ على شريعةٍ منَ الأمرِ فاتَّبِعها ولا تتَّبِع أهواءَ الَّذين لا يعلمون (18) إنَّهم لن يُغنوا عنكَ مِن اللَّهِ شيئاً وإنَّ الظَّالمينَ بعضهم أولياءُ بعضٍ واللَّهُ وليُّ المُتَقين (19){. إذن من الواضح بأن الخالق لن يفصل بين “أبناء عائلة إسرائيل” يوم القيامة، بل سيجري الفصل والحكم على أبناء جنس بشري بأكمله بين الصالح منهم وغير الصالح، وهذا هو مفهوم الدينونة بشكل عام في كل الديانات؛ فهل سمعنا بديانة تقوم بالفصل في يوم القيامة بين أبناء عائلة؟ أو عشيرة؟ أو شعب محدد؟، وتترك باقي البشر وتتجاهلهم؟، بالطبع لا، بل إن الديانات تتحدث عن البشر جميعهم بمختلف أجناسهم وأطيافهم ولكل زمان ومكان.
إن تأكيد القرآن على أن «بني إسرائيل» سيبقون إلى يوم القيامة، إلى يوم الحساب الكبير، هو أبلغ دليل على أنه يخاطب جنساً بشرياً بكامل أطيافه؛ تخيلوا أن القرآن يطالب عشيرة فقط من بين جميع الأمم بمكارم الأخلاق وبالتوحيد، وبأنه سيحاسب هذه العائلة أو القبيلة من بين جميع الشعوب، هل هذا يُعقل؟، وهل حدث وأن بقيت عائلة ونسلها أو عشيرة كما هي لم تتغير ولا اختلطت ولا انقرضت ولا تفرقت طوال آلاف السنين حتى يأتي الرب بهم للحساب في اليوم الآخر؟، وهل يتجنّد الخطاب الإلهي وجميع التعاليم والرسل والأنبياء لمجرد هداية هذه العائلة أو القبيلة أو تلك؟
- وهذه آية أخرى شديدة الوضوح تدل على أن جنس بني إسرائيل ليسوا من ذرية نوح ولا ابراهيم، هي الآية 58 من سورة مريم: }أولئكَ الذينَ أنْعمَ الله عليهم مِنَ النبيّينَ مِن ذرِّيّةِ آدمَ ومِمَّن حمَلْنا مع نوحٍ ومن ذرِّيّةِ إبراهيمَ وإسرائِيلَ ومِمَّنْ هديْنا واجتبَينا إذا تُتلى عليهمْ آياتُ الرَّحمَن خرُّوا سُجَّداً وبُكيّا{. الخطاب القرآني هنا ميّز وفصل بين ذرية ابراهيم، وذرية إسرائيل، ولو كانت ذرية إسرائيل هي نفسها ذرية ابراهيم لأصبحت الآية دون تفسير منطقي إذ أنه سبقها بالفصل الواضح بين ذرية آدم، وبين ذرية من حمل مع نوح، وليس ذرية نوح.
- وإن نظرة واحدة للتوراة تجعلنا نصل إلى هذه الحقيقة وهذا مثال من سفر إرميا يقول حرفياً: «اسمعوا كلمة الرب يا آل يعقوب ويا جميع عشائر بني إسرائيل. إن المرتدة إسرائيل قد بررت نفسها أكثر من الغادرة يهوذا. هكذا قال ربُّ الجنود إلهُ إسرائيل». لاحظوا كيف فرقت حتى التوراة بين آل يعقوب وبين عشائر بني إسرائيل، وحين نجد تعبير «إله إسرائيل» في التوراة فهو يقابل حرفياً: ربّ العالَمين، ربّ الناس، إله الناس.. في القرآن الكريم، دون تحديد هؤلاء «الناس»؛ إنهم الناس بالمطلق لا نعلم لهم جنسية ولا ديناً.
إذن يعقوب ليس إسرائيل، وبنو إسرائيل هم الجنس البشري الحالي المختلط كله وليسوا عائلة ولا سلالة بعينها، ولا عشيرة ولا شعباً، وهذا الجنس كله تحت الاختبار وليس نسلاً بعينه، ولا علاقة له باليهود، ولا بشعب، ولا بديانة، ولا بداود ولا أنبياء السلالة من يعقوب، ولا بالنجمة السداسية ولا بأي رمز عربي قديم، ولا بجغرافيا بعينها، ولا بعشيرة بعينها.
- وفوق هذا فكثير من الآيات تذكر بأن الخالق قد أخذ من بني إسرائيل عهداً أو ميثاقاً بالالتزام بوحدانية الخالق ومكارم الأخلاق، فهل هذا يعني أنه أخذ عهداً من عائلة بمفردها؟، أو من قوم بمفردهم؟، بالطبع لا، بل هو عهد على البشرية بأسرها قد فُرض عليها الالتزام بحسن الأخلاق وعدم الشرك بالله.
أما عن معنى اسم إسرائيل Israel فهل يعكس المضمون الذي ذكرناه؟، لنقرأ:
من الشائع بالسريانية استبدال السين بالشين والعكس بينها وبين العربية الفصحى، فسَمْعان هو شمْعون بالسريانية ومنه اسم سيمون Simone المنتشر عالمياً، فإذا كان إسرائيل بالسريانية إشراي ايل نجد:
ايلو: معين، مساعد، نصير. ايل: الله جل وعلا.
شرا شريا: حلّ، نزل، انحل + انفك، بطُل، زال + طرأ، هدم، نقض، أبطل، ترك، خلع + فسَّر، دحض، خالف، تعدى الشريعة + نبذ، أسقط، طرد، أبعد..
بهذا يكون الإسرائيل هو أي شخص ينقض التعاليم، يخالف شريعة الله، يبطل الرسالة، مطرود، ساقط، هادم البناء الأول، يحلل ما حرم الله .. وإسرائيل كرمز لهذا الجنس كما ذكرنا وكان مع نوح في السفينة ونجا من الطوفان الكبير قد وصفه القرآن بتعبير “عبد شكور”، لكن جميع الآيات التي تصف “بني إسرائيل” كرمز لهذا الجنس البشري الذي نجا ومنح فرصاً إلى يوم القيامة مملوءة بخطاب الوعيد وبضرورة الالتزام بالتعاليم ومكارم الأخلاق، وإن من بني إسرائيل من اهتدى ومنهم من لم يهتد، إذن اسم اشرائيل فعلاً اختصر هذه المعاني بالسريانية.
بالعربية الفصحى نقرأ في لسان العرب: الإلّ: الحلف والعهد والذمّة.
والإلّ: الله عز وجل، والأصل الجيد، والنسب.
أما الجذر س ر ا ، فمن معانيه نزع، كشف، كما استريت الشيء: اخترته.
بهذا يكون معنى إسرائيل اختيار الله، الذي اختاره الله ليبلوه ويمنحه فرصة النجاة وليس “شعب الله المختار” كما فُسّرت الكلمة خطأً، فالله ليس عنصرياً يرفع شعوباً على أخرى. بالإضافة إلى أن إسرائيل أيضاً كاشف الأصل ومنتزعه أي أنه فسُد عن الأصل الجيد وحاد عنه. لهذا يقول العرب “في الإل كريم الخِلّ” أو بمعنى آخر “عالأصل دوّر”، ودائماً ما يصفون كريم الأخلاق ذا القيم والمثل العليا بأنه “ابن أصل”، بهذا يختصر العرب في ذاكرتهم اللغوية الموروثة آلافاً من السنين تختصر سيرة «بني آدم» فيمن حافظ على أصله العاقل السامي الراقي وبالتالي ورث محمود الصفات، وفيمن حاد وانحدر عن الأصل العاقل السامي، ففسد باطنه وساءت أخلاقه وهو «بني إسرائيل».
والملفت أن السوريين ما يزالون يحتفظون بهذا المعنى بكلمة واحدة تصف كريم الأخلاق والسيرة بوصفه بال«آدمي»، أي أنه من منبت جيد، من أصل آدم، الجنس العاقل السامي الفاضل.
وإنهم إن أرادوا وصف شيء فاسد يقولون عنه “منزوع”، وإن فسد الطعام يقولون له “انتزع”. إن هذه اللغة المذهلة حتى بعاميتها تختصر علوماً حقيقية ومعارف وحقائق تعجز عن الاتيان بها أية لغة أخرى؛ إن كلمة “انتزع” بمعنى فسد تصف عمليات متناهية الدقة في الأكسدة وفصل المكوّنات وانتزاعها من مسارها، تماماً كما “انتزع” الجنس العاقل حين انفصل عن الأصل الجيد واختلط بالجنس البدائي المتخلف، ففسدت طينته.
كما أن إسرائيل تعني عبد الله، خلق الله بالعربية، إذ أن أسر بالعربية تعني العبد كما تعني الخلق. فيكون إسرائيل ببساطة هو عبد الله، وبنو إسرائيل هم عِباد الله. وكثيراً ما نقرأ في التراث حين يتوجه النبي أو الخليفة أو أي قائد إلى جموع من الناس يخاطبهم بكلمة «يا عباد الله» أو «العِباد». وهذا التعبير هو ما استخدمه النبي محمد «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عِبادَ الله إخوانا». لاحظوا كيف خاطب عموم الناس بتعبير «عباد الله».
إننا باختصار يمكننا وبكل ثقة أن نضع بدلاً من «بني إسرائيل» التعابير التالية وستخدم كلها نفس المعنى: عِباد الله، العِباد، البشر، الجنس البشري، بني البشر، خلق الله، الناس، جماعة البشر، الجماعة، الشَعب، أبناء الشَعب…
الآن بتنا نفهم خطاب القرآن لبني إسرائيل، الذين هم عموم جنس البشر، وخطاب التوراة حول أن يعقوب صار إسرائيل أي أنه صار لقبه عبد الله ببساطة، هو مصطلح مطلق الدلالة وليس محدوداً، فأي مؤمن هو عبد الله، وكل البشر هم عِباده.
نعود لقصة النبي موسى الذي خرج ببني إسرائيل، عِباد الله، وأماكن حدوثها:
تذكر التوراة أن الطفل موسى وضعته أمه بين الخيزران على حافة النهر، وحين رأته ابنة فرعون رق قلبها وقالت «هذا من أولاد العبرانيين. ثم طلبت له مرضعة من العبرانيات». فقامت أمه بإرضاعه، ثم كبر موسى «وكان موسى يرعى غنم حميه كاهن مدين فساق الغنم إلى ما وراء البرية حتى أفضى إلى جبل الله حوريب. فتجلى له ملاك الرب في لهيب نار من وسط العليقة فناداه الله وقال لا تدنُ إلى ههنا اخلع نعليك فإن الموضع الذي أنت فيه أرضٌ مقدسة… فقال الرب إني قد نظرتُ إلى مذلة شعبي الذين بمصر وسمعتُ صراخهم من قبل مسخّريهم وعلمت بكرْبهم. فنزلتُ لأنقذهم من أيدي المصريين وأخرجهم من تلك الأرض إلى أرضٍ طيبة واسعة تدرّ لبناً وعسلاً إلى موضع الكنعانيين والحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين. والآن هو ذا صراخ بني إسرائيل قد بلغ إلي فالآن تعال أبعثك إلى فرعون وأخرج شعبي بني إسرائيل من مصر». (سفر الخروج، الفصل 3).
صار النص واضحاً الآن، إن الرب أمر موسى بإنقاذ خلق الله، عِباده المكروبين، المستعبَدين، من أيدي حكام مصر العتاة الظالمين، وإخراجهم منها ليأتي بهم إلى أرض كنعان المقدسة. إنها باختصار ووضوح دعوة لتحرير الناس المظلومين والمستضعفين من العبودية. والدليل هذا النص من التوراة «وقال الرب لموسى إذا أمضيت راجعاً إلى مصر فانظر جميع المعجزات التي أودعتها في يدك تصنعها بين يدي فرعون وأنا أقسي قلبه فلا يطلق الشعب». لاحظوا كيف استخدم هنا تعبير «الشعب» بدلاً من «بني إسرائيل».
أما المسافة بين مصر وأرض كنعان فهي بحسب التوراة «قالا إله العبرانيين وافانا فنذهب مسيرة ثلاثة أيام في البرية ونذبح للرب إلهنا».
«العبرانيون» هم «البدو»:
من الواضح بأن العبرانيين كما قلنا هو مصطلح استخدم في التوراة للدلالة على البدو، العابرين، المتشردين، المهاجرين، المرتحلين إلى المنطقة لسبب أو لآخر، هي بتعبير آخر «عابرين السبيل» كما ورد في القرآن؛ لذلك حين وجدت ابنة فرعون الرضيع موسى متروكاً على حافة النهر اعتقدت أنه ابناً لإحدى العبرانيات بمعنى العابرات، البدويات، ولم تكن بالطبع تتحدث عن شعب بعينه إذ ما الذي يجعل أحداً ينسب رضيعاً لشعب بمجرد رؤيته؟. كذلك حين أرادت ايجاد مرضعة له طالبت له بمرضعة «عبرانية» أي بمرضعة بدوية، وهذا العُرف هو عُرف كان سائداً لدى العرب وصولاً إلى النبي محمد الذي أرضعته حليمة السعدية. يفسر كاتبو التراث والسير ذلك بأنه «كانت عادة أشراف مكة أن يعهدوا بأطفالهم إلى نساء البادية في الصحراء ليقمن على رضاعتهم، لأن البادية أصلح لنمو الأطفال وأبعد عن أمراض الحضر التي كثيراً ما تصيب أجسامهم فضلاً عن إتقان اللغة العربية والنطق بالفصحى منذ نعومه أظفارهم».
إذن العبرانيون هم البدو بلغة العرب، ولغتهم هي اللهجة البدوية كما نسميها اليوم، فالعبرانية هي ببساطة لهجة البدو من العرب وهذا لا يعني أنهم لم يحافظوا على العربية الفصحى فالبداوة حالة اجتماعية جغرافية، وقد كان العرب عبر التاريخ وكما ذكرت كل القواميس والمصادر القديمة فئتين فئة الحضر سكان المدن والقرى وفئة البدو التي تنقسم إلى أنصاف بدو وأعراب، حسب ظروف المكان والمناخ، والبدو هم جزء من العرب بالتالي من الطبيعي أن يتحدثوا العربية لكن تحولت لكنتهم إلى المحلية المبسّطة، وما نزال حتى اليوم نميز اللهجة البدوية التي يتكلمها سكان البوادي ونفهمها.
أما عزرا فقد كتب التوراة بالخط الآرامي العربي حين كانت الآرامية العربية، أو بمعنى آخر العربية المكتوبة بخط آرامي، هي لغة العالم القديم، حين أراد عزرا ربط اليهود بمصالح طرق التجارة الدولية وجعل اليهودية قابلة للانتشار، فقد كانت العربية الآرامية هي اللغة العالمية من بلاد فارس والصين شرقاً إلى مصر غرباً، أما شقيقتها العربية الفينيقية فانتشرت في القارتين الأوروبية والأمريكية وصارت أساس الخط اليوناني ثم اللاتيني ثم الخط الذي تكتب به اليوم كل شعوب الغرب كما وضحنا سابقاً.
إن العربية بالخط الآرامي كانت لغة الاقتصاد والعلوم والتجارة الدولية، تماماً كما صارت اليونانية ذات الأصول العربية بالزمن البيزنطي، وكما كانت اللغة العربية التي كُتبت وعُمِّمت بخط الجزم في فجر الإسلام هي لغة التجارة والعلوم والمراسلات الدولية بالفترة الأموية والعباسية والفاطمية وبقي الحال حتى سقوط دولة المماليك فبدأت اللغات المحلية تحل محل العربية فظهرت السلافية والتركية العثمانية واللاتينية، ثم الانكليزية التي صارت مؤخراً لغة التجارة والعلوم والمراسلات الدولية لسهولتها وبساطتها.
وما دُعي ب«الخط العبري» ليس إلا الخط الآرامي العربي مع قليل من التنميق الذي لم يغيّر من هوية الخط، تماماً كما نميز اليوم ضمن أنماط خط الجزم العربي بين الديواني والكوفي والأندلسي.. فمن يتحدث عن توراة عبرية فهو ذر للرماد في العيون فالعبرانيون البدو لم يكن لهم أية لغة ولا أي خط سوى الخط المعتمد على خطوط التجارة الدولية، أما العبرية فهي العربية البدوية حسب كل منطقة وطريقة لفظها للحروف ونطقها للأصوات؛ والعربي اليوم يمكنه ببساطة فهم اللهجة البدوية بمجرد أن يعتاد على سماعها، كما يمكنه التمييز بسهولة بين لهجات المناطق ضمن بلاده ذاتها، كلهجة الصعيد في مصر، ولهجة حلب في سوريا على سبيل المثال،، وهذا بالطبع لم يجعل من تلك اللهجات المحلية لغات بحال من الأحوال.